استقبال شهر رمضان.. كيف يستطلع المسلمون الهلال؟

استقبال شهر رمضان.. كيف يستطلع المسلمون الهلال؟

استطلاع هلال شهر رمضان

  • يستقبل المسلمون كل عام شهر رمضان باستطلاع هلاله وتبادل المعلومات بين الدول الإسلامية المشتركة في جزء من الليل وذلك لتحري صحة ظهور هلال رمضان، فمن الدول من يعتمد الرؤية البصرية للهلال من خلال شاهدي عدل من مختلف المواقع بالدولة، بالإضافة لتحري رؤيته عبر المراصد الفلكية بالأجهزة البصرية الحديثة لتحقيق المشاهدة العينية بالوسائل التقنية التي تقرب الرؤية، وتستعين بعض الدول بالحسابات الفلكية ومقاربتها مع الرؤية في حالة تعذر رؤية الهلال.
  • وقد تعددت الآراء بشأن كيفية استطلاع هلال رمضان، فمن الآراء ما يذهب لوحدة الصوم والفطر بين المسلمين أخذاَ بتقويم أم القرى (مكة المكرمة) حيث يلتزم المسلمون في جميع أنحاء العالم بتوقيتها في رؤية هلال شهر ذي الحجة ويتبع المسلمون الميقات الزمني لأم القرى حيث يصوم المسلمون في جميع بقاع الأرض يوم عرفة، بينما يصعد حجاج بيت الله الحرام إلى صعيد عرفة وهو الركن الأعظم في الحج كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبوداود والترمذي والنسائي عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: الحجُّ عرفةُ، فمن أدرك عرفةَ فقد أدرك الحجَّ، وعنه أيضا في صحيح الترمذي للألباني: أنَّ ناسًا مِن أهلِ نَجْدٍ أتَوْا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو بعَرَفةَ فسألوه، فأمَرَ مناديًا فنادى: الحجُّ عَرَفةُ، مَن جاء ليلةَ جَمْعٍ قبلَ طُلوعِ الفجرِ فقد أدرَكَ الحجَّ، أيامُ مِنًى ثلاثةٌ، فمَن تعجَّلَ في يومينِ فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّرَ فلا إثمَ عليه.
  • ومن الآراء ما يذهب لأن يتحرى كل بلد مطالعة الهلال للتباين مطالع الأهلة والتفاوت الزمني بينها، فيكون المسلمون متفاوتون في هلال رمضان بينما يتفقون في وقت الحج لأن الحج يتم استطلاعه مسبقاَ حيث تبدأ رحلة الحج من شهر شوال ثم ذي القعدة ثم ذي الحجة، فلا يكون الأمر مفاجئاَ لإقامة شعائر الحج بين ليلة وضحاها كما في رمضان الذي يفصله عن شهر شعبان ساعات ليلة فقط، أما وقفة عرفات فيسبقها ثمانية ليال يمكن التثبت والتأكد والتصحيح في حال وقوع خطأٌ ما، ولقد جاء في صحيح ابن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيتِه وأفطِروا لرؤيتِه فإنْ غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثينَ، وقد اعتمدت دار الفتوى على الرؤية البصرية والوسائل البصرية المساعدة بالمراصد الفلكية مع الاستئناس بالحسابات الفقهية الدقيقة في حالة عدم الرؤية.

الأدلة الشرعية لإثبات بداية شهر رمضان واستقباله

  • في صحيح أبي داود للألباني عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنْها قالَت: كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يتحفَّظُ من شعبانَ ما لا يتحفَّظُ من غيرِهِ ثمَّ يصومُ لرؤيةِ رمضانَ فإن غُمَّ عليْهِ عدَّ ثلاثينَ يومًا ثمَّ صامَ.
  • وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: كُنّا مع عُمَرَ بيْنَ مَكَّةَ والْمَدِينَةِ، فَتَراءَيْنا الهِلالَ، وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيدَ البَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ وَليسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أنَّهُ رَآهُ غيرِي، قالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ، أَما تَراهُ؟ فَجَعَلَ لا يَراهُ، قالَ: يقولُ عُمَرُ: سَأَراهُ وَأَنا مُسْتَلْقٍ على فِراشِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنا عن أَهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كانَ يُرِينا مَصارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ، بالأمْسِ يقولُ: هذا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا، إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ: فَقالَ عُمَرُ: فَوالَّذِي بَعَثَهُ بالحَقِّ ما أَخْطَأوا الحُدُودَ الَّتي حَدَّ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قالَ: فَجُعِلُوا في بئْرٍ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ، فانْطَلَقَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتّى انْتَهى إليهِم، فَقالَ: يا فُلانَ بنَ فُلانٍ وَيا فُلانَ بنَ فُلانٍ هلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسولُهُ حَقًّا؟ فإنِّي قدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا. قالَ عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، كيفَ تُكَلِّمُ أَجْسادًا لا أَرْواحَ فِيها؟ قالَ: ما أَنْتُمْ بأَسْمع لِما أَقُولُ منهمْ، غيرَ أنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شيئًا، وهكذا كان استطلاع هلال رمضان قبل معركة بدر الكبرى في المدينة المنورة وكانت في السابع عشرة من رمضان، وكذلك فعل عبد الله بن عمر فأبلغ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم برؤيته هلال رمضان كما جاء في صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمر: تراءى النّاسُ الهلالَ فرأَيْتُه فأخبَرْتُ رسولَ اللهِ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فصام وأمَر النّاسَ بصيامِه.
  • وقد أخذ الشافعية والحنابلة من هذا الحديث الدليل على ثبوتِ دُخولِ رَمَضانَ بشَهادةُ شاهد عدلٍ واحدٍ، ولقوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة البقرة- الآية 185 – ومعنى الآية: شهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر؛ هداية للناس إلى الحق, فيه أوضح الدلائل على هدى الله, وعلى الفارق بين الحق والباطل. فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحًا مقيمًا فليصم نهاره. ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر، ثم يقضيان عدد تلك الأيام. يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بكم العسر والمشقة، ولتكملوا عدة الصيام شهرًا، ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر، ولتعظموه على هدايته لكم، ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير.
  • وفي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين أن رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حتّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وهكذا فإن آذان بلال الأول كان مثل مدفع الإمساك تهيئة لآذان الفجر أما آذان عبد الله بن أم مكتوم فكان لإعلان صلاة الفجر وبداية الصوم، وقد صار هذا الحديث دليلاَ على أن الناس يفطرون بآذان الواحد ويفطرون بآذان الواحد، وقياساَ عليه اتفقت المذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأكثر أهل العلم على أن من رأى هلالَ رَمَضانَ وَحْدَه، أو شَهِدَ ولم تُقبَلْ شهادته فعليه أن يصوم ولولم يصم من حوله، لأن رؤيته للهلال صارت حجة عليه وسيحاسبه ربه لقوله تعالى في سورة البقرة – الآية 185 (فمن شهد منكم الشهر فليصمه).

حكم الصيام للمسافر أو المقيم في حالة تفاوت الرؤية للهلال بين البلاد

  • اتفق الجمهور من الفقهاء من الحنفية والملكية والحنابلة على أنه إذا رأى أهلُ بلدٍ الهلالَ، فإنَّه يجِبُ الصَّومُ على الجميعِ مطلقًا، بينما ذهب الشافعية على أنه إذا رأى أهلُ بلدٍ الهلالَ، فإنَّه لا يجِبُ الصَّومُ على الجميعِ مع اختلافِ المطالِعِ، وإنَّما يجِبُ على من رآه أو كان في حُكمِهم.
  • ومن أدلة الشافعية: هذا الحديث الذي جاء في صحيح أبي داود للألباني عن كريب بن أبي مسلم: أنَّ أمَّ الفَضلِ ابنةَ الحارثِ، بعثتْهُ إلى معاويةَ، بالشّامِ، قالَ: فقَدِمْتُ الشّامَ فقَضيتُ حاجتَها فاستَهَلَّ رمضانُ وأَنا بالشّامِ، فرَأينا الهلالَ ليلةَ الجمعةِ، ثمَّ قَدِمْتُ المدينةَ في آخرِ الشَّهرَ، فسألَني ابنُ عبّاسٍ، ثمَّ ذَكَرَ الهلالَ فقالَ: متى رأيتُمُ الهلالَ؟ قلتُ: رأيتُهُ ليلةَ الجمعةِ، قالَ: أنتَ رأيتَهُ؟ قلتُ: نعَم، ورآهُ النّاسُ، وصاموا، وصامَ معاويةُ، قالَ: لَكِنّا رأيناهُ ليلةَ السَّبتِ، فلا نزالُ نصومُهُ حتّى نُكْمِلَ الثَّلاثينَ، أو نراهُ، فقلتُ: أفلا تَكْتفي برؤيةِ معاويةَ وصيامِهِ، قالَ: لا، هَكَذا أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ودليل هذا الحديث المنقول عن عمل الصحابة الذين كانوا يتنقلون بين بلاد مختلفة المطالع لرؤية الهلال ما بين الحجاز والشام فكان المسافر يلتزم بصيام ثلاثين يوماَ إذا كان فارق الرؤية يوم بين المكانين الذي تواجد بهما خلال شهر رمضان، فقد كان صومها ينتهي بعدد تسع وعشرين يوماَ ولكنها لم تقف على ميقات رؤية الهلال الشام المتقدمة على رؤية الهلال بالحجاز بمقدار يوم فأتمت الصيام ثلاثين يوما حسب رؤية أهل الحجاز المتأخرين عن أهل الشام بيوم.
  • وهكذا يكون صيام المسافرين بين البلاد المختلفة في المطالع فيتمون صومهم ثلاثين يوما إن تحركوا من المكان المتقدم في الرؤية والذي كان سابقاَ في الصيام ويتموا الصيام في المكان المتأخر حتى لا ينقص من صيامهم يوم من أيام رمضان، وذلك للحديث الذي رواه أبو هريرة بإسناد حسن في الجامع الصغير للسيوطي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم أنه قال: مَن أفطر يومًا من رمضانَ، في غيرِ رُخصةٍ رخَّصها اللهُ لهُ، لم يقضِ عنه صيامُ الدَّهرِ كلِّه وإن صامَه.

من مظاهر استقبال شهر رمضان في الماضي والحاضر

شهر رمضان في رحلة ابن جبير:

  • وصف ابن جبير الذي كان كاتباَ وشاعراَ لحاكم غرناطة بدولة الأندلس، شهر رمضان في مكة المكرمة التي زارها وأقام فيها حوالي نصف عام، وقد كتب مشاهداته في كتابه تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار” المعروف برحلة ابن جبير، فذكر تجديد فُرُش الحرم الشريف من الحصير عند دخول غُرّة الشهر الكريم، وزيادة أحجام وأعداد وسائل الإضاءة منذ صلاة المغرب حيث الفطور وحتى الفجر للسحور، وإقامة صلاة التراويح في الحرم المكي في عدّة أماكن متفرقة، وكان لكل فرقة إمامها، وأن عدد ركعات التراويح بلغت أربعاً وعشرين ركعة خارجاً عن الشفع والوتر، مع تعدد مرات الطواف حول الكعبة المشرفة فيما بينها.
  • وذكر ابن جبير عن السحور في مكة، الذي كان يتم من المئذنة التي توجد في الركن الشرقي للمسجد الحرام، وذلك بسبب قربها من دار شريف مكة، فيقوم الزمزمي بأعلاها وقت السحور داعياً ومُذكِراً ومُحرِّضاً على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانهِ ويقاولانهِ. ونظراً لترامي الدُور بعيداً عن الحرم المكي حيث يصعب وصول صوت المؤذن كانت تنصب في أعلى المئذنة كما يقول ابن جبير عن مظاهر ختم القرآن الكريم في كل وتر من الليالي العشر الأواخر في رمضان، حيث كان أبناء مكة من الصبية يتنافسون في ختمه والاحتفال بذلك بإيقاد الشموع والثريات وتقديم الطعام.
  • وأشار الرحالة إلى ابن إمام الحرم الذي ختم القران في ليلة خمس وعشرين وأعقب ذلك بخطبة بليغة نالت استحسان الحضور على الرغم من صغر سن الخطيب. ونقل حكاية أخرى عن غلام مكيّ من ذوي اليَسار(ميسور الحال) دون الخامس عشر احتفل أبوه به عند ختم للقران العظيم في ليلة ثلاث وعشرين، حيث أعدّ له ثريا صُنِعت من الشمع وذات غصون علقت فيها أنواع الفواكه اليابسة والرطبة، وأعدّ لها والده شمعاً كثيراً، ووضع وسط الحرام شبيه المحراب المربع أقيم على قوائم أربعة تدلت منه قناديل مُسرجة أحاط دائرة المحراب المربع بمسامير مدببة الأطراف غرز فيها الشمع وأوقدت الثريا المغصّنة (لها أغصان كالشجرة) ذات الفواكه، ووضع الأب بمقربة من المحراب مِنْبَرا مُجللاً بكسوة مجزعة مختلف الألوان، وحضر الأمام الطفل فصلى التراويح وختم وقد امتلأ المسجد بالرجال والنساء وهو في محرابه وحوله الشمع المضاء.

شهر رمضان في رحلة ابن بطوطة:

  • وصف ابن بطوطة استقبال شهر رمضان في مكة واحتفال أهل مكة وعاداتهم في ذلك أن يأتي أمير مكة في أول يوم من الشهر، وقوّاده يحفلون به، وهو لابس البياض معمم، متقلدٌ سيفاً، وعليه السَكينة والوقار، فيصلي عند المقام الكبير ركعتين ثم يقبل الحجر، ويشرع في طواف أسبوع، ورئيس المؤذنين على أعلى قبة زمزم، فعندما يكمل الأمير شوطاً واحداً ويقصد الحجر لتقبيله يندفع رئيس المؤذنين بالدعاء له والتهنئة بدخول الشهر رافعاً بذلك صوته ثم يذكر شعراً في مدحه ومدح سلفه الكريم ، ويفعل به هكذا في سبعة أشواط، فإذا فرغ منها ركع عند الملتزم ركعتين ثم ركع خلف المقام أيضاً ركعتين ثم انصرف، ومثل هذا سواء يفعل إذا أراد سفراً وإذا قدم من سفر أيضاً”.
  • ثم عرض لنا عادة أهل مكة في شهر رمضان المُعظّم فقال: “وإذا أهلَّ هلال رمضان تضرب الطبول والدبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نورا، ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقاً… من القُرّاء يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلاّ وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتج المسجد لأصوات القُرّاء، وترقّ النفوس وتحضر القلوب وتهمل الأعين، ومن الناس من يقتصر على الطواف والصلاة في الحجر منفردا، والشافعية أكثر الأئمة اجتهادا، وعاداتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة، وهي عشرون ركعة، يطوف إمامهم وجماعته، فإذا فرغ من الأسبوع ضربت الفرقعة التي ذكرنا أنها تكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة وكان ذلك إعلاما بالعودة إلى الصلاة ، ثم يصلي ركعتين ثم يطوف أسبوعاً، هكذا إلى أن يتم عشرين ركعة أخرى، ثم يصلون الشفع والوتر، وينصرفون وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئاً، وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم، فيقوم داعياً ومذكراً ومحرضاً على السحور، والمؤذنون في سائر الصوامع، فإذا تكلم أحد منهم أجابه صاحبه، وقد نصبت في أعلى كل صومعة خشبة على رأسها عود معترض قد علق فيه قنديلان من الزجاج كبيران يقدان، فإذا قرب الفجر، ووقع الأذان بالقطع مرة بعد مرة حطَّ القنديلان، وابتدأ المؤذنون بالأذان، وأجاب بعضهم بعضاً.
  • ولديار مكة، شرّفها الله، سطوح فمن بَعُدَت داره بحيث لا يسمع الأذان يبصر القنديلين المذكورين فيتسحر حتى إذا لم يبصرهما أقلع عن الأكل. وفي ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن، ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة، فإذا ختم نصب له منبر مزين بالحرير، وأُوقِدَ الشمع، وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات”.
  • وعن الاحتفال بليلة القدر المباركة وختم القرآن الكريم قال ابن بطوطة: القدر وختم القرآن ، وكذلك يصنعون في جميع ليالي الوتر، وأعظم تلك الليالي عندهم ليلة سبع وعشرين، واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويختم بها القرآن العظيم خلف المقام الكريم، وتقام إزاء حطيم الشافعية خشب عظام توصل بالحطيم (بناءٌ قُبالةَ الميزاب من خارج الكعبة)، وتعرض بينها ألواح طوال، وتجعل ثلاث طبقات، وعليها الشمع وقنديل الزجاج، فيكاد يُغَشِّي الأبصار شُعاع الأنوار، ويتقدم الإمام فيصلي فريضة العشاء الآخرة، ثم يبتدئ قراءة سورة القدر، وإليها يكون انتهاء قراءة الأئمة في الليلة التي قبلها، وفي تلك الساعة يمسك جميع الأئمة عن التراويح تعظيماً لختمة المقام، ويحضرونها متبركين، فيختم الإمام في تسليمتين ثم يقوم خطيباً مستقبل المقام فإذا فرغ من ذلك عاد الأئمة إلى صلاتهم وانفض الجمع، ثم يكون الختم ليلة تسع وعشرين في المقام المالكي في منظر مختصر، وعن المباهاة مُنزّه موقر، فيختم ويخطب.

استقبال شهر رمضان في العصر الحديث:
في المملكة العربية السعودية التي تكون موضع أنظار المسلمين في العالم من خلال متابعة صلاة التراويح المنقولة عبر القنوات الفضائية والإنترنت من الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة ويتابعون المعتمرين وزوار المسجد النبوي الشريف، وفي الحرمين الشريفين وساحتيهما ينتشر فيها المتطوعون لتوزيع التمر على الزائرين ليفطروا بمجرد رفع آذان المغرب، أما في سائر الدول العربية فإن الطرقات قبل آذان المغرب تمتلئ بحاملي الوجبات التي توزع على المارة من المشاة وقائدي السيارات فضلاَ عن الفقراء والمساكين حتى يكفوا ضعاف الحال بالطعام فيكون كسباَ لثواب الإفطار، ففي صحيح ابن حبان عن زيد بن خالد الجهني أن رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: مَن فطَّر صائمًا كُتِب له مِثلُ أجرِه لا ينقُصُ مِن أجرِه شيءٌ، كما تكون تراحما بين الأغنياء والفقراء، وفي حديث هانئ بن يزيد بن نهيك أبي شريح بإسناد صحيح، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ حدثني بشيءٍ يوجبُ ليَ الجنَّةَ؟ قال: موجبُ الجنَّةِ: إطعامُ الطعامِ وإفشاءُ السلامِ وحسنُ الكلامِ، ويحتفل المسلمون بشهر رمضان لأن فيه ليلة القدر وهي ليلة وتر في العشر الأواخر من رمضان، ومن فضلها أن فيها نزل القرآن الكريم إلى سماء الدنيا، وأجر العبادة فيها يعدل ألف شهركما جاء في صحيح الجامع للألباني بإسناد حسن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ هذا الشهرَ قدْ حضَرَكُمْ، وَفيهِ ليلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شهْرٍ، مَنْ حُرِمَها فَقَدْ حُرِمَ الخيرَ كُلَّهُ، ولا يُحْرَمُ خيرَها إلّا محرومٌ.

Responses