الغربة والأثر الذي تتركه في النفوس

الغربة والأثر الذي تتركه في النفوس

الغربة

كيف الحال مع المغترب يا ترى في آخر بقاع الأرض؟ كيف حاله؟ بماذا يشعر؟ الى من يشتاق؟ الى ماذا يشتاق؟ هل يدب الحنين في عروقه في كل لحظة وكل حين؟ هل يحن الى نسيم من نسائم وطنه الحبيب؟ هل تأخذه أفكاره بين الفينة والأخرى الى وطنه والى أحبابه الذين تركهم في الوطن؟ هل يشتاق الى تذوق طعام وطنه؟ هل يدب الحنين في شرايينه ويحثه للعودة الى الوطن؟ هل يجرؤ على إتخاذ قرار بشكل عاصف ويعود الى ربوع وطنه الحبيب؟ هل يضعف وينصاع الى رغباته العطشى ليرويها من مياه وطنه العذبة؟

كل هذه التساؤلات تعصف بالمغترب الذي ترك أهله ووالديه وأرضه وأعز ما يملك ليلتحق ببلدان الغربة التي لجأ اليها وترك كل شيء لأجل ظروف قاهرة جعلته يتخلى من كل ما يحب ليحقق حياة معيشية ومادية لم يكن قادرا على تحقيقها في وطنه.

ألم الغربة

في الغربة آلام يعيشها المغترب وهي فقدان الأحبة وفقدان الوطن والتجول بين أزقة الوطن العزيز، والكثير من العادات التي اعتاد القيام بها في موطنه الأم من السهر والذهاب الى الأماكن المميزة والسياحية.

ربما الفترة الأولى هي الأكثر تأثرا في الغربة، حيث ان كل شيء جديد على المغترب البلد والمواطنين الجدد واللغة الجديدة والمكان والمنزل والمنطقة والحي، كل شيء جديد ويحتاج الى وقت ليعتاد عليه ولذلك في الفترة الأولى وهي ربما تصل الى فترة الستة أشهر حتى يعتاد المغترب على الجو الجديد والبيئة المحيطة الجديدة ولهذا فإنه من الطبيعي جدا أن يخف تدريجيا هذا الموضوع حيث ان الفترة اللاحقة هي أخف وقد تصبح روتينية وعادية شيئا فشيئا لاسيما عندما يكتشف حسنات البلد الجديد والأشياء الجديدة الغريبة في بلد الغربة الذي لجأ اليه.

لم يعد الموضوع بالأليم بعد مرور فترة على اعتياد المغترب الوضع الجديد ثم هناك الوقت الكافي الذي يمر وهو إما في عمله او في دراسته أو في أي مجال آخر يقوم به، حيث هذا ما يشكل الشيء الذي يجعله ينسى طعم الغربة قليلا، ولاسيما أصبحا في العصر الحالي عصر التكنولوجيا والتواصل عن طريق المكالمات التي تستخدم تطبيقات فيها فيديوهات تمكن أي كان من رؤية الشخص الآخر والتحدث معه بطريقة مباشرة طوال الوقت، وهذا ما يساعد على التخفيف من حدة الربة وقساوتها.

الغربة قد تسبب الجفاف في القلوب وهذا القول شائع جدا، اذ ان المهاجر او المغترب عندما يبتعد عن بلده قد يصل لمرحلة يتآلف فيها ويتأقلم مع الغربة بحيث يشعر بأن هذا الموطن قد أصبح موطنه الثاني وبالتالي فهو أصبح غير متحمس كثيرا لبلده ولكن هذه الحالات قلما نراها حيث ان الكثير من المغتربين يحبون ويشتاقون الوطن الأم ولو كانت الغربة مثل الجنة.

شعر للوطن

وطن النجوم أنا هنا
وطنَ النُجومِ أنا هُنا حَدّق، أتذْكُرُ مَنْ أنا؟ ألمحتَ في المَاضِي البَعيدِ فتىً غريراً أرعَنا ؟
جذلانَ يمرحُ في حقولكَ كالنسيمِ مُدندِنا يَتسلَّقُ الأشجَارَ لا ضَجراً يُحسُّ ولا وَنى
و يَعودُ بالأغصانِ يَبرِيها سُيوفاً أو قَنا و يَخوضُ في وَحلِ الشِّتا مُتهلِّلاً مُتيمِّنا
لا يتَّقي شَرَّ العُيونِ ولا يَخافُ الألسُنا ولكمْ تَشيطَنَ كي يَقولَ النَاسُ عَنهُ “تَشيطَنا ”
أنا ذَلكَ الوَلدُ الَّذي دُنياهُ كانتْ ههنا أنا مِن مياهكَ قَطرةٌ فَاضتْ جَداولَ مِنْ سَنَا

أليست الغربة إلا غربة الجسد

جُعتُ والخبزُ وفيرٌ في وِطابي والسَنا حَولي وروحي في ضَبابِ
وشَرِبتُ الماءَ عَذباً سائِغاً وكأَنّي لم أَذُق غَيرَ سَرابِ
حيَرةٌ لَيسَ لَها مَثلٌ سِوى حَيرةِ الزورَقِ في طاغي العُبابِ
لَيسَ بي داءٌ ولكِنّي امرُؤٌ لَستُ في أرضي ولا بَينَ صَحابي
لَستُ أَشكو إِن شَكا غَيري النَوى غُربَةُ الأَجسامِ لَيسَت بِاِغتِرابِ
أَنا كالكرمَةِ لو لم تَغتَرِب ما حَواها الناسُ خَمراً في الخَوابي
أَنا كَالسَوسَنِ لو لم ينتَقِل لم يُتَوَّج زَهره رأسَ كَعابِ
أَنا في نيويوركَ بالجسمِ وبالروحِ في الشَرقِ على تِلكَ الهِضابِ
في ابتسامِ الفَجرِ وفي صَمتِ الدُجى في أَسى تشرينَ في لَوعَةِ آبِ

كفنوه

كفّنوهُ وادفنوهُ أسكنوهُ هوَّةَ اللحد العميق
واذهبوا لا تندُبوه فهو شعبٌ ميتٌ ليس يُفيق
ذلّلوه قتَّلوهُ حمَّلوهُ فوق ما كان يُطيق
حمل الذّلَّ بصبر من دهورٍ فهو في الذّلِّ عَريق
هتكُ عرضٍ نهبُ أرضٍ شنقُ بعضٍ لم تُحرِّك غَضَبَه
فلماذا نَذرِفُ الدمع جُزافاً ليس تَحيا الحطَبة
لا وربِّي ما لشَعبٍ دون قلبٍ غيرَ موتٍ من هِبة
فدعوا التاريخ يَطوي سِفرَ ضُعفٍ ويُصَفّي كُتُبَه
ولنُتاجِر في المَهاجر ولنُفاخر بَمَزايانا الحِسان
ما علينا إن قضى الشعبُ جميعاً أفَلَسنا في أمان
رُب ثارٍ رُبَّ عارٍ رُبَّ نارٍ حركت قلبَ الجَبَان
كلُّها فينا ولكن لم تحرِّك ساكناً إلا اللِسان

المنفى

وأنا أَحسِبُ نفسي شاعراً جاشَ في قلبي عزِيفٌ من وَتَر
وَتَرٌ واهٍ على ألحانِهِ يَسكَرُ القَلب ويُفشِي ما سَتَر
ضاقَ ذَرعاً بالأسى لكنَّهُ ظَلَّ في كِتمانِهِ حتى انفَجَر
فاسمَعُوا أناتِهِ تَروي لَكم رَجعَ ما رَدَّدَهُ صوتُ الغِيَر
عن ظلامِ العَيشِ عن سجنِ البقا عن فَيافي التيهِ عن ظُلمِ القَدَر
عن ليالي الوَيلِ عن قَطعِ الرَجا عن دنوِّ البَينِ عن بُعدِ المَفّر
عن خِداعٍ عن شَقاءٍ عن شَجا عن فِراقٍ عن دُموعٍ عن سَهَر
عن شَقيٍّ عن أبيٍّ عاثِرٍ عن شَرِيدٍ عن نَبيٍّ مُحتَقَر
عن فقيرٍ حاسدٍ طَيرَ السَما عن طَريدٍ ما لَهُ العُمرَ مَقَرّ
عن عَذاري بَذَلت أعراضَها في سَبيلِ العَيش بِئسَ المُتَّجَر
عن ديارٍ بعدَ مجدٍ خَمَلَت وبَنُوها الصِيدُ صاروا في النَفَر
ما بَقى من عِزِّ أجدادٍ لهم غيرُ ذِكرى مَن غَدا ضِمن الحُفَر

يا نسيم البحر

يا نَسِيم البَحرِ البَليلَ سَلامُ زارَكَ اليومَ صَبُّكَ المُسْتَهامُ
إنْ تَكُنْ ما عَرَفْتَني فَلَكَ العُذْرُ فقدْ غَيَّرَ المُحِبَّ السِّقامُ
أَوَلا تَذْكُرُ الغُلامَ رَشيداً إننّي يا نَسيمُ ذاكَ الغلامُ
طالَما زُرْتَني إذا انْتَصَفَ الليلُ بِلُبنانَ والأَنامُ نِيامُ
ورَفَعْتَ الغِطاءَ عنّي قليلاً فأَحَسَّتْ بِمَزْحِكَ الأَقدامُ
وتَنَبَّهْتُ فاتِحاً لكَ صَدْراً شبَّ فيهِ إلى لِقاكَ ضِرامُ
فَتَغَلْغَلْتَ في الأضلاعِ أَنفاساً لِطافاً تَهْفو إليها العِظامُ
ولَثَمْتَ الفُؤادَ ثَغْراً لِثغرٍ ولكَمْ حَجَّبَ الثُّغورَ لِثامُ
يا لَشَوْقي إلى مَحاسِنِ قُطْرٍ هَبَطَ الوَحْيُ فيهِ والإلْهامُ
وكُرومٍ إنْ مَرَّ فيها غَريبٌ يَتَوارى من وجْهِهِ الكَرَّامُ
لَو قَضَمْتُ الرَّغيفَ فيهِ قَفاراً فالرّضى والسّرورُ نِعمَ الادامُ
أَيُّها النَّازِحونَ عَوْداً إليهِ حالَما يَسْتَتِبُّ فيهِ السّلامُ
كلُّ حَيِّ إلى الشَّآمِ سَيَمْضي حينَ يُقْضى، إنَّ السَّماءَ الشَّآمُ

يا نفس

نَصَحتُكِ يا نَفسُ لا تَطمَعي، وقُلتُ حَذارِ فَلمْ تَسمَعي
فإنْ كُنتِ تَستَسهِلِينَ الوداعَ كما تدَّعينَ إذاً ودِّعي
رَزمتُ الثِيابَ فَلِمَ تُحجِمينَ وفي ما ارْتِعاشُكِ في أضلُعِي
ألا تَسمَعينَ صِياحَ الرِّفاقِ وتَجديفَ حوذِيِّنا؟ أَسرِعي
خرجتُ أجُرُّكِ جَرَّ الكَسيحِ تَئنينَ في صَدريَ المُوجَعِ
ولمّا غَدونا بِنِصفِ الطَريِقِ رَجعتِ وليتَكِ لمْ تَرجِعي
لئنْ كُنتِ يا نَفسُ مَع مَن أُحِبُّ فلمَ ذا اشتياقي ولمَ أدمعي
أظنكُ تائهةً في البِحارِ فلا أنتِ مَعهم ولَستِ مَعي
كفاكِ اضطراباً كَصدرِ المُحيطِ قفي حيثُ أنتِ ولا تجزَعي
سأقضي بِنَفسِي حُقوقَ العُلى وأرجِعُ فانتَظِرِي مَرجِعي.

Responses