بحث عن غزوة الخندق.. 3 جوانب تاريخية حول حصار الكفار لمدينة رسول الله

بحث عن غزوة الخندق

غزوة الخندق هي أحد الغزوات في التاريخ الإسلامي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من الغزوات الفاصلة في تاريخ المسلمين الأول، حيث قال رسول الله قولته الشهيرة الآن نغزوهم ولا يغزوننا، في إشارة على انتهاء مرحلة الضعف بالنسبة للمسلمين وبداية الضعف والانهيار للشرك والكفر في جزيرة العرب، في هذا المقال؛ نتعرف على معلومات تاريخية أكثر، حيث نكتب بحث عن غزوة الخندق، وما هي الجوانب التاريخية التي تخص هذه الغزوة.

تحالف من المشركين يضرب حصاراً على المدينة

كانت الحرب سجالاً منذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر من مكة للمدينة المنوّرة، حيث بدأ الكفار في مكة بالتربص له وللمسلمين، وحاربوه في معركة بدر في السنة الثانية من الهجرة، والتي انتصر فيها المسلمون نصراً مؤزراً، فأعاد الكفار الكرة في السنة الثالثة حيث غزوة أحد والتي نالوا من المسلمين فيها.

حتى جاءت السنة الخامسة من الهجرة، وحدثت هذه الغزوة، حيث قام حلف من قريش وقبائل عربية أخرى بوضع خطة لحصار المدينة ودخولها عبر الاتفاق مع يهود المدينة لدخولها واحتلالها والقضاء على المسلمين فيها.

وبالفعل تحركت الجيوش، والتي ذكرها الله تعالى في سورة الأحزاب، وضربت حصاراً على المدينة.

خطة مفاجئة لا مثيل لها في بلاد العرب من قبل

استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في المدينة، ما هي الخطة التي يضعونها لإنقاذ المدينة من الغزو، واستمرت المشاورات قبل وصول الجيوش إلى المدينة، حتى اقترح سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق في أحد جهات المدينة لمنع وصول الجيوش إليها.

فقد كانت المدينة المنورة واقعة بين حرتين أو سلاسل جبال من جهة الشرق والغرب أما جهة الجنوب فقد كانت تسكنها قبائل اليهود بمساكنها وحصونها، وبالتالي فإن الجهة الشمالية فقط هي الجهة المكشوفة وهي نقطة الضعف الوحيدة في تحصينات المدينة، لذلك أشار سلمان على النبي عليه الصلاة والسلام بحفر خندق بطول الجهة الشمالية، وذلك لمنع الجيوش من الدخول.

وقد حفر المسلمون الخندق، وشاركهم رسول الله في الحفر، وكانت تلك الخطة لا مثيل لها في بلاد العرب، حيث لم يعرف العرب الخندق من قبل وكانت خطة شهيرة في بلاد الفرس.

صعوبات واجهها المسلمون أثناء حصار المشركين للمدينة

قام المسلمون بعمل خطة لا مثيل لها، وهي خطة الخندق الذي يحيط المدينة، وبالتالي يعيق تحرك المشركين إلى المدينة، ويجعلهم عاجزين على الدخول، ويجبرهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويحاصرون المدينة خارج الخندق فقط.

هذه الخطة كانت سهلة نظرياً، لكن عملياً واجه المسلمون العديد من الصعوبات عندما قاموا بتنفيذها على الأرض، فقد كان المطلوب حفر خندق عميق على طول جهة من جهات المدينة، بطول ومسافة كبيرة، وهذا بأدوات بدائية أي بالمعاول والفؤوس، هذا عائق كبير إلى جانب عامل الوقت، فقد كان على المسلمين أن يقوموا بحفر الخندق وتجهيزه قبل وصول المشركين إلى أعتاب المدينة، لذلك كان عليهم الحفر بسرعة قياسية.

ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بحفر الخندق مع الأنصار والمهاجرين، فكل الصحابة رضوان الله عليهم قاموا بعمل جبار في الحفر، خاصة في الأجواء الباردة التي كانت توجد في المدينة عندئذ، وهذا زاد من تعب وإرهاق الصحابة الذين قاموا بالحفر.

وكان رسول الله عليه الصلام والسلام يشجع أصحابه على العمل بجد في حفر الخندق، بل ضرب مثالاً للقيادة العاملة مع شعبها، حيث كان يعمل بنفسه ويحفر بنفسه ويحمل التراب على كتفه الشريف، وكان يقول ويدعو: اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ.

وقد اشتد التعب والنصب والجوع والعطش على المسلمين، لدرجة أن كثير من الصحابة وضعوا على بطونهم حجر حتى يقلل هذا من جوعهم الشديد أثناء الحفر، فقد كان عليهم ألا يضيعوا الوقت في الطعام، هذا إلى جانب احتمالية الحصار الطويل والذي قد يؤدي إلى نقص المؤن داخل المدينة.

هذا إلى جانب عائق لم يكن في الحسبان، وهو خيانة بني قريظة للمسلمين، وقد تأكد لدى المسلمين أن هناك خيانة كبيرة وتحالف سري بين بني قريظة وبين قريش وغطفان، وقد وصف القرآن الكريم الحالة الصعبة والمعوقات التي عاش فيها المسلمون خلال غزوة الخندق، حيث قال الله تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا.

اليهود وموقفهم في أحداث الغزوة

حاصر المشركون المدينة دون جدوى، ولكنهم حاولوا استمالة اليهود والدخول من ناحيتهم الجنوبية، وبالفعل كان هناك اتصالات سرية، ولكن استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإفساد هذه الاتصالات، وبذلك فشلت الخطة البديلة للمشركين مما سيتبين بعد قليل.

وكان هناك العديد من الأدوار لبعض الشخصيات التي قامت بالعديد من المحاولات، منها ما قام به حُييً بن أخطب الذي يقوم بإقناع يهود بني قريظة ان يكونوا ضمن حلف المشركين، وهذا الحلف كان بينهم سراً، وينص على أن بني قريظة يقومون بالإتفاق على تسلل قوة عسكرية من المشركين من ناحيتهم إلى وسط المدينة و باغتوا المسلمين من الجانب الآخر من الخندق، وبهذا يتم اختراق حماية المدينة من المسلمين.

أقنع بن أخطب بالفعل كعب بن أسد القرظي، والذي كان زعيماً على بني قريظة بالخطة، وبالفعل عندما جاء المشركون تفاجؤوا بالخندق، ولكن مضوا في خطتهم في حصار المدينة، وبدأوا في خطتهم بالتواصل سراً مع بني قريظة، وبدأوا في الهجم بغتة واحدة، فقد هاجم المشركون الخندق، بينما بدأ اليهود بالهجوم من داخل المدينة، وقد نجحت الصحابية الجليلة صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أحد اليهود الذين هاجموا النساء والأطفال، بينما كان القتال مستمراً في جانب الخندق، والمناوشات بين الطرفين مستمرة.

وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاجتماع مع بعض الصحابة، اجتماع أشبه بمجلس الحرب، وقرر استخدام سلاح الخديعة لتحييد طرف من الأطراف، وإحداث الوقيعة بين اليهود من بني قريظة، وبين المشركين، وهو ما سوف نعرفه بعد قليل.

وقد حاول المشركون في خلال هذه الغزوة، وهذا الحصار اجتياز هذا الخندق، ولكن حدثت عدة مناوشات ووقع قتلى في صفوف المشركين، بل إننا نجد الفشل كما قلنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم سعى لإفساد خطة المشركين بالوقيعة بينهم، وهو ما حدث في موقف نعيم بن مسعود رضي الله عنه، الذي قام بإثارة الوقيعة والفتنة بين بني قريظة اليهود الذين كانوا يسعون للتحالف مع المشركين، وبين قريش وغطفان، حيث قام نعيم بالسعي لدى بني قريظة بأن يأخذوا رهائن من قريش وغطفان حتى يؤمنوا غدر هؤلاء.

ورجع نعيم إلى قريش وقال لهم أن بني قريظة أهل غدر ويجب عليهم أن يؤمنوا جانبهم أثناء حربهم ضد المسلمين، وهو ما أثار الضغينة بين أطراف الجيش المحاصر وبني قريظة التي كانت تسعى للمساعدة وخيانة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن الله أبطل مسعاهم الخبيث.

وكما قلنا أن الله أرسل رسله بالحق في النهاية، حيث أرسل جنداً من الرياح أرهبت المشركين، وهذا مصداقاً لقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا.

وقد أرسل الله تعالى ريحاً قوية اقتلعت خيام معسكر المشركين، وبالتالي اتخذوا قرارهم برفع الحصار، وبذلك فشلت هذه الغزوة، والتي كانت فاصلاً هاماً في تاريخ الغزوات.

معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء غزوة الخندق

تذكر السيرة النبوية المطهرة العديد من المواقف والأحاديث الشريفة، عن معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء هذه الغزوة، ومن هذه الأحداث التي تبيّن فيها معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما جاء أحد الصحابة الكرام وهو جابر بن عبد الله رضي الله عنه بطعام قليل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نادى النبي الصحابة الكرام وكان عددهم ألف ليأكلوا معه، وقد بارك الله تعالى في هذا الطعام، فأكل الجميع وشبعوا.

ومن المعجزات أيضاً أن الصحابة الكرام أثناء حفر الخندق وجدوا صخرة كبيرة لا أحد قادراً عليها حتى بالفؤوس والمعاول، حتى اقترب منها رسول الله وأمر برشها بالماء ثم سمى الله ثلاثاً، وضربها ضربة فصارت تراباً.

ومن أهم المعجزات التي كانت في غزوة الخندق، هي نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح الشام واليمن وفارس، حيث اعترضت الصحابة الكرام أثناء حفر الخندق صخرة عملاقة، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام بالمعول فضربها ثلاث ضربات، وفي كل ضربة كان يصيح بنبوة ستحدث للمسلمين من بعده، وبالفعل فهذه النبؤات حدثت بالفعل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

أما الحديث الوارد عن هذه النبؤات فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ الشامِ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصورَها الحُمْرَ الساعةَ، ثم ضرب الثانيةَ فقطع الثلُثَ الآخَرَ فقال: اللهُ أكبرُ، أُعْطِيتُ مفاتيحَ فارسٍ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصرَ المدائنِ أبيضَ، ثم ضرب الثالثةَ وقال: بسمِ اللهِ، فقطع بَقِيَّةَ الحَجَرِ فقال: اللهُ أكبرُ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ اليَمَنِ، واللهِ إني لَأُبْصِرُ أبوابَ صنعاءَ من مكاني هذا الساعةَ.

وكانت هذه بشارات نبوية حدثت بالفعل، حيث تم فتح كل من اليمن وفارس والشام في سنوات قليلة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

في هذا العرض الشامل تعرفنا على العديد من المعلومات حول غزوة الخندق، والتي كانت تعتبر من أهم الغزوات في تاريخ المسلمين، ولقد نصر الله المسلمين نصراً مؤزراً في هذه الغزوة.

Responses