8 معلومات توضح تعريف شعر الزهد

8 معلومات توضح تعريف شعر الزهد

شعر الزهد

في مقالنا اليوم سوف نتعرف على مجموعة من أهم المعلومات حول شعر الزهد.

ما هو شعر الزهد؟

الزهد في اللغة له معنى وهو القدر اليسير من الشيء، والزهد في الشيء أو عن الشيء يعني: هو ترك الشيء خوفا من عقاب أو حساب والإعراض عنه، ويمكن أن يكون احتقارا منه أو تحرج منه.

والزهد: يعرف اصطلاحا بأنه البعد عن كل ما يبعد المرء عن الله الابتعاد عن المعاصي، والبعد عما هو زائد عن الحاجة، ويمكن تعريفه عن أنه البعد عن أمور الدنيا كلها والاكتفاء بالله وتنظيف القلب من حب الدنيا، والزهد أشمل وأعلى من القناعة والورع، والزهد يحتوي بداخله معني روحي ومادي واخلاقي، وهذا لما فيه ترابط بين الثلاث معاني حيث أن الزاهد لا يترك أمور الدنيا ويفعل المعاصي فالزهد لا معنى له إلا بالروح والفكر معا.

شعر الزهد

شعر الزهد لون أدبي، ويكون به معان سامي وهو مخالف كل أنواع الشعر الأخرى، فهو شعر يتم في أبياته تعريف الحياة الدنيا بزوالها، والبعد عن ملذات الدنيا والتفكير في الأخرة والعبادات والمناسك، وقال ابن خلدون في مقدمته:”فلمّا فشا الإقبال على الدُّنيا في القرن الثّاني وما بعده، وجَنَح النّاس إلى مخالطة الدُّنيا، اختصّ المُقبِلون على العبادة باسم الصُّوفيّة والمُتصوّفة” وكان هنا يتحدث عن سبب ظهور الزهاد واختصاص هذا النوع الأدبي لهم حيث ابتعدوا عن أنواع الأشعار المختلفة، وكل ما في هذه الأشعار من بذخ ومناصب وانصرف الناس عن الخالق واتجهوا لحب الدنيا.

ما هي مراحل تطور شعر الزهد؟

شعر الزهد مر بمراحل كثيرة وانتقالية أدت لظهور التصوف وهذا التصوف كان الشعراء يسعون فيه لله، واهتم الشعراء بمعرف أسرار الخالق، مناجاة الذات الإلهية، وهناك الأشعار الغزل الإلهي للحلاج مثال على ذلك وسوف نوضح مراحل تطور شعر الزهد كما يلي:

أولا العصر الجاهلي

هذا العصر الجاهلي يمكن أن ينقسم قسمين حسب تطور شعر الزهد خلاله وهما:

  • بداية العصر الجاهلي: الشعر في هذه المرحلة كان له أشكال مختلفة إما أبيات فردية في قصيدة لها موضوع محددة ، أو شعر على هيئة عبر وحكم متفرق، ويكون بسبب تجارب وتأملات، وهذه الأبيات تتناول الحديث عن الموت وكان في إطار في غير ديني نظرا لهذا الوقت الجاهلي.
  • نهاية العصر الجاهلي: في أواخر الجاهلية بدأ شعر الزهج مرحلة مختلفة حيث ظهور الدين الإسلامي في شبه الجزيرة، ونجد في أشعار بعض شعراء هذه المرحلة إشارة لذلك، وهذه الإشارة بها معاني ترتبط بالدين الإسلامي، فنجد شعراء التعبد، ومثال عليهم عدي بن زيد وهو شاعر اشتهرت أعماله بالتذكير والموعظة، وهنا شعراء المتحنفين نسبة لسيدنا إبراهيم وهم بقوا على دينه عليه السلام، ومنه أكثم بن صيفي وزيد بن عمر بن نفيل وورقة بن نوفل وأبو القيس الراهب وأمية بن الصلت وإبراهيم المأمور الحارثي.

ثانيا العصر الإسلامي
هي الفترة المعروفة ببداية دعوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وظلت ممتدة حتى خلافة عثمان بن عفان، وكان الشعر في هذه الفترة يمتاز بالمحدودية، ولكن بعد فترة ظهر الشعر الذي يدافع عن الإسلام ويتحدث عنه سعيا لنشره، وأشعار أخرى تدعو بالمعروف وتنهى عن المنكر، وكانت تذكر بالثواب والعقاب، وأشعار أخرى لمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك شعراء المديح المعروفين آنذاك وهم: كعب بن زهير وحسان بن ثابت و النابغة الجعدي، ومع ظهور الفتن ، بدأ الناس تبتعد عن عبادة الله، ولهذا السبب بدأ الزاهدون يلجأون للقرآن الكريم والسنة، والبعد عن القضايا السياسية العامة والصراعات المختلفة في المذاهب وإلى جانب الفساد الأخلاقي، ولهذا وجد فئة تذكر بالله وتدعو للتقرب من العبادات وتطبيق شرع الله.

ثالثا العصر العباسي
هذه المرحلة في الأدب كانت معروفة بتطور الأدب وخاصة شعر الزهد لأنها مرحلة انتبه فيها الشعراء لترك الدنيا والتفرغ لله والعبادة، وهذا كان بسبب انتشار الزندقة والمجون في هذا العصر، وهذا رد فعل الشعراء الزهاد، فالشعراء أصبحوا متفرغين للزهد والفلسفة والحكمة، وهذا كان أساس لظهور شعر التصوف، ومن أمثلة شعراء العصر العباسي أبو العتاهية الذي صزر في شعره الآخرة، وما يحدث في الآخرة من عقاب وعذاب وهناك آبيات في شعره للعظة وكانت تتكلم عن الزمان وما فيه من تقلب، والشاعر أبو النواس، وكان من شعراء المجون ولكنه رجع لله وتاب في آخر أيامه، ونجد تغير مراحل حياته متغيرة من البداية وحتى النهاية فكانت تحمل الزهد والتقوى.

ما هي عوامل ظهور شعر الزهد؟

حسب ما يقول دكتور إحسان عباس في كتابه تاريخ الأدب الأندلسي، أن أول ظهور لشعر الزهد في الفترة أثناء الثورة على حكم الربضي عام 206 هجرية، أن الشعر في هذا الوقت كان يكتبه الأتقياء، وكان الشعر يضاف له مفردات تدل على التدين وفقا للحكم البلاد في وقتها، وقال دكتور إحسان عباس استدلال على ذلك ما قاله المراكشي حيث تناول موقف الزهاد من الحكم الربضي، وبذلك ظهر شعر الزهد في القرن الثاني، وتطور بعد ذلك وكان تطوره بسبب مجموعة من العوامل، منها عوامل إجتماعية وثقافية وسياسية، ونجد أن الشعر تأثر بالعامل وظهر ذلك في تسلسل المواضيع، في البداية تناول الشعر كلا من الحياة والنفس البشرية والحكام وتغير الزمان، وبعد ذلك تحدث عن الموعظة والعبادة وطاعة الله والحث للتوج لله وسوف نوضح هذه العوامل التي أثرت في ظهور شعر الزهد:

عامل ثقافي
بعد القرنين الثاني والثالث اختلط العرب المسلمين في الحياة الثقافية والفكرية ببلاد عديدة مختلفة، وكان الإطلاع عليهم وعلى ثقافتهم بسبب في تغير الأفكار مثل الثقافية اليونانية والفارسية والهندية والفارسية، وهناك حركات فتوحات عديدة وتحرر وترجمة ، كما أن المسلمين بدأوا بالاهتمام بالعلوم والبحث العلمي، وحدث اندماج بين الثقافة العربية والغربية والحضارات المختلفة وجعل هذا سبب للزهاد حتى يستفيدوا من الأفكار والثقافة المختلفة، وكانت مؤثرة عليهم في مواعظهم وعباراتهم.

العامل الإجتماعي
هناك أصناف وأشكال مختلفة في هذا العامل ترتبط معه، وهي: البذخ خاصة في الحكام وأسرهم، السير وراء مشاغل الدنيا، الله في المجالس، انتشار السرقات والشراب، والبيع والشراء بفساد، وأمور كثيرة سيئة ظهرت في العصر العباسي، ولهذا كله ظهر الزهاد وجعلوا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة منهجهم، و نبذ الملذات الدنيوية وكانوا يسعون في الأرض يأمرون الناس العودة لله والالتزام بالدين.

العامل الذاتي
وهذا أمر شخصي حيث سعي الإنسان الاعتزال والابتعاد عن الحرام والمعاصي، وهذا تحلي بالعفة وحفاظ على نفسهم، وخوفا من ارتكاب ما يغضب الله، وكان ذلك مع ممارسة ما يحبوا من شعر ، وكتابة أشعار مناسبة لاعتقادهم، والسبب في ذلك هو الخوف من عذاب الأخرة وعذاب جهنم كما ذكر الله تعالى في القرآن الكريم، وشعورهم بالهم والكآبة بعد ارتكاب الذنوب وحبا في قضاء حياتهم في الاستغفار والتوبة.

ما هي خصائص شعر الزهد؟

يمتاز شعر الزهد بالعديد من الخصائص وهي مواضيع وجماليات مختلفة وكان المميز في هذا النوع الشعري التزام الشعراء بالمنهج الديني ورفض الشهوات والبعد عن ملذات الدنيا ونذكر أهم خصائص شعر الزهد وهي:

الطابع التعليمي الذي يغلب على هذا الشعر، فكل شعراء هذا النوع يميلون للنصح والإرشاد، ومثال على ذلك قول الشاعر بهلول في عهد الخليفة الرشيد:

  • دعِ الحِرص على الدّنيا
  • وفي العيش فلا تطمعْ
  • ولا تجمعْ مِنَ المال
  • فلا تدري لِمن تجمعْ

ذكر الموت كثيرا في أشعارهم لكونه أمر لا حيلة لنا فيه، وهو قادم لا محال ونجد مثال على ذلك شعر لأبي العتاهية يقول فيه:

  • نْســاكَ مَحْياكَ المماتا
  • فَطَلَبْتَ في الدُّنيا الثَّباتا
  • وَثِقْـتَ بالدُّنيا وأَنْــ تَ
  • تَرى جَماعَتَها شَتاتَا
  • هَـلْ فِيهما لكَ عِبْـرةٌ
  • أَمْ خِلْتَ أنَّ لكَ انْفِلاتا
  • يا من رأى أبَوَيهِ فيـ
  • ما قَد رأى كانا فماتا

بساطة الأسلوب وسهولة المفردات ، وهذا جعل الشعر يشبه الخطابة أو الكتابات النثرية، ونجد ذلك في أمثلة متعددة لشعر أبي العتاهية أبو النواس، وخاصة أبي العتاهية كان يفضل جعل الشعر بمفردات سهلة حتى يسهل على عامة الشعب قراءته، وقال في الزهد”ليس من مذاهب الملوك ولا مِن مذاهب هُواة الشِّعر ولا طُلّاب الغريب”، وله قصة أنه ذات يوم قابل مسلمة بن الوليد وقام بنقد شعره، وقال أبيات تشير لسهولة مفردات أشعار أبي العتاهية وهي:

  • الحمد و النعمة لك
  • والملك ال شريك لك
  • لبيك إنك الملك

وتحدث مسلمة عن أبي العتاهية صراحة قائل أنه لو أعتد اسلوبه البسيط في الشعر لكت آلاف الأبيات الشعرية وقال أبيات مليئة بالمفردات الصعبة دليل على فصاحته وهي:

  • موفٍ على مُهجٍ
  • في يوم ذي رَهَجٍ
  • كأنّهُ أَجَلٌ
  • يسعى إلى أملِ
  • ولكن أبا العتاهية رد عليه وقال
  • ” قل مثل قولي، أقل مثل قولك”.

الشعر متأثر بالقرآن الكريم، وهذه صفحة وخاصية ومثال على ذلك أبيات شعرية لأبي العتاهية متأثرة بقول الله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ)

  • فقال أبي العتاهية
  • عجباً كُلُّنا يَحيد عن الحنين
  • وكلٌّ لحنينه لاقي
  • كأنّ حيّاً قد قام نادِبُه
  • والتّفّت السّاق منها بالسّاق

الأبيات المتعددة والكثيرة في القصيدة الواحدة، وأكثر من يشتهر بذلك هو أبو العتاهية، وله قصيدة تعرف باسم “ذات الأمثال” مكونة من 4000 بيت شعري، وكانت مميزة بقافية موحدة في صدر أبيات القصيدة ومنها:

حسبُك ما تبتغيه القُوت

ما أكثر القُوت لِمن يموت

الفقر فيما جاوز الكِفافا

من اتّقى الله رَجا وخافا

الابتعاد عن التصوير والمباشرة في التعبير، والبعد عن المجازات، وهذا سبب في جعل شعر الزهد متقبل لدى العامة، فلا تعقيد أو غموض في شعر الزهد.

الصور الفنية المستخدمة تتميز بالبساطة و تكون ذات طابع متميز ومبتكر ولهذا الذي يقرأ الشعر يحبه وهذا الأسلوب يناسب شعر الزهد.

الحفاظ على وحدة البنية القصيدة الواحدة، وحتى تكون قصيدة في الزهد فقط.

لمناسبة شعر الزهد يتم استخدام أوزان شعرية قصيرة، مثل استخدام ابو العتاهية وزن مجزوء بحور كامل، والبسيط والوافر والرمل واستخدم هذه الأوزان ابن المبارك وأبو نواس.

مجموعة أبيات مثال لشعر الزهد.

بعض الأمثلة التي كتب فيها الشعراء شعر الزهد:

توجيه الناس للزهد في الدنيا والبعد عن ملذاتها، وتأكيد أن الآخرة هى الأبقى ومثال على ذلك شعر أبي العتاهية:

إنّما الدُّنيا غُرور كُلُّها

مِثل لمع الآل في الأرض القِفار

الدعوة للاستغفار والتوبة ونجد ذلك في أشعار شعراء عاشوا حياة ماجنة ثم تابو مثل أبو النواس وقال في التوبة:

أدعوك ربّي كما أمرت تضرُّعاً

فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم؟

تقديم الموعظة الحسنة للناس حتى يبعدوا عن المعاصي وهذا من خلال قصص السنة النبوية والقرآن الكريم وسير الصحابة ومثال على ذلك قول ابن مبارك:

الصّمت أزين بالفتى

من منطق في غير حينه

والصّدق أجمل بالفتى

في القول عندي من يمينه

الرضا بأقدار العباد والاستعانة بالله مثال ما قاله الشاعر ابن مبارك

أرى أُناساً بأدنى الدّين قد قنعوا

ولا أراهم رضوا بالعيش بالدُّونِ

مثال شعر للتحذير من الموت والآخرة ونجد ذلك في شعر عمرو بن المغيرة:

هبْ أنّك قد ملكت الأرض طرّاً

ودان لك البلادُ

فكان ماذا أليس غداً

مصيرك جوف تربٍ

ويحثو التراب هذا ثمّ هذا

نصح الناس بالصبر على الابتلاءات وقلة الرزق والحزن ونجد ذلك في مثال:

ولو قدّم أحزم في أمره

لعلّمه الصّبر عند البلا

كتابة شعر يتحدث عن الجنة والنار ، مثل شعر الوراق:

يا غافلاً يرنو بعيني راقد

ومشاهداً للأمر غير مشاهد

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي

درك الجنان بها وفوز العابد

أهم شعراء الزهد

هناك نوعين من شعراء الزهد ، وتم تقسيمهم حسب الزهد في حياتهم:

شعراء زاهدون منذ البداية مثل: عبد الله بن المبارك، محمود الوراق، الإمام الشافعي، الخليل ابن قاسم، محمد بن كناسة.

شعراء زاهدون بعد توبة من المجون: أبو العتاهية ورابعة العدوية وأبو النواس، أدام بن عبد العزيز ومحمد بن يسير الرياشي.

رابعة العدوية
من الشاعرات الزاهدات ذات الصيت الواسع، وهي مميزة بحبها للذات الإلهية، ورقة المشاعر والألفاظ العذبة، وأشعارها مميزة جدا، فهي تصف الله عز وجل على كونه حبيبها الذي تناجيه دوما، وخاطرها مشغول به دائما، وقلبها معلق بحبه، وهو العالم بخفايا قلبها، ورابعة العدوية تؤكد في شعرها أنها متعلقة كليا بالله، وكان هذا أسلوب متفرد لها في شعرها ووصلت لحالة من التعمق في حب الله، تصل الاتصال الروحي بالله، فتكون جالسة مع الناس وقلبها وعقلها مع الله، وهي مرحلة أدت للتجديد في الشعر الصوفي ومن أشعارها:

أحبّكَ حُبّيْن حُبَّ الهَوى

وحُبّاً لأنّكَ أهل لِذَاكا

فأمّا الذي هو حُبُّ الهَوى

فَشُغْلِي بذكركَ عَمَّنْ سِواكا

وأمّا الذي أنتَ أهل له

فَكشفُك للحُجب حتّى أراكا

فلا الحمدُ في ذا وذاكَ لي

ولكنْ لكَ الحمدُ في ذا وذاكا

عبدالله بن المبارك
هو شاعر من أكثرهم زهدا وكان ورع جدا وكان يبادل بين الحج والجهاد سنة يقوم بالحج وسنة يجاهد، وقال سفيان الثوري في بن المبارك”لو جهدت جهدي أن أكون في السّنة ثلاثة أيّام على ما عليه ابن المبارك لن أقدر”.

وكان لا يفصل حياته العامة عن الزهد وتميز بذلك، وكان تاجر ومن أرباح تجارته ينفق الكثير على الفقراء وطلاب العلم،وكل هذه الأمور لم تؤثر في طريقة زهده والاعتزال بالنفس.

وكانت أشعاره تمتاز بالرقة والفصاحة على حد سواء، وألفاظها ومعانيها مميزة، وكان يعف نفسه عن مناصب الدولة رغم أنه طلب منه ان يرأس مناصب، وكان عابد مجاهد ولكن بشكل متزن وهو معتقد أن العبادة والجهاد لوجه الله وله أشعار كثيرة ومنها:

  • ياعابد الحرمين لو أبصرتنا
  • لعلمت أنّك في العبادة تلعب
  • من كان يخضب جيده بدموعه
  • فنحورنا بدمائنا تتخضب
  • أو كان يُتعب خيله في باطل
  • فخيولنا يوم الصّبيحة تتعب

أبو النواس
اسمه الكامل هو الحسن بن هاني، وكان في الماضي شاعر ماجن ومستهين بالعبادات ويسعى وراء أمور الدنيا وتلهيه عن الآخرة وعن الله عز وجل، وتم اتهامه بالزندقة في السابق ، ودخل السجن في عهد اثنان من الخلفاء ،مرة في عهد الخليفة الرشيد ومرات عديدة في عهد الأمين، ولكنه شعر بالذنب وطلب التوب والمغفرة من الله ، وتاب وأناب وهو شاب في ريعان شبابه، وجعل شعره كله يحتوي على كلمات الندم والشعور بالذنب، وبهذا الشعر ضرب مثل النادم التائب واستخدم أسلوبه الشعري القائم على العلقية ومن أشعاره هذه الأبيات:

  • أراك يزيدك الإثراء شوقاً
  • إلى الدّنيا كأنّك لا تموت
  • تظلّ على الغنى أبداً
  • حريصاً تخاف فوات شيء لا يفوت
  • وأغنى منك ذو طمرين راضٍ
  • من الدّنيا يبلغه ما يفوت

أبو العتاهية
هو شاعر مرموق تحول من شعر الغزل لشعر التصوف والزهد وكان تغيره بسبب أسباب اجتماعية وشخصية خاصة، حيث يتحدث أبو سلمة الغنوي أنه في يوم سأل أبو العتاهية عن سبب زهده، فقال له أن السبب رأيته حلم وكان ينسق أبيات شعر الغزل، وحلم أشعره أن ما يكتبه من شعر في الغزل معصية كبيرة وبعدها تاب وتحول عن الغزل واتجه لشعر الزهد وكانت أبياته مثال على ذلك ومن أشعاره في الغزل هذه الأبيات:

  • الله بيني وبين ومولاتي
  • أبدت لي الصّد والملامات
  • منحتها مُهجتي وخالصتي
  • فكان هجرانها مُكافآتي
  • هيمنها حُبّها وصيّرني
  • أُحدوثة في جميع جاراتي

كما استطاع ابا العتاهية الانتشار والشهرة بشعر الزهد ونظم قصيدة طويلة يكتب فيها التجربة التي غيرته ومر بها في حبه، وكيف كانت سبب في تحوله للزهد، وفي هذه القصيدة تظهر فلسفته في الحياة، وما ذاقه من آلام، وكلامه في القصيدة كله صدق ومشاعر حقيقية وقال فيها:

قطعت منك حبائل الأمالِ

وحططت عن ظهر المطيِّ رحالي

و يئست أن أُبقي لشيء

نلت ممّا فيكِ يا دنيا

و أن يبقى لي فوجدت برد اليأس

بين جوانحي وأرحت من حَلِّي و من ترحالي

ولئن يئست لرُبّ بَرْقةِ خُلَّبٍ

بَرَقَتْ لذي طمع و بَرْقة آل

ما كان أشأم، إذ رجاؤك قاتلي

وبنات وعدك يعتلجن ببالي

فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي

يا دار كلّ تشتت وزوالِ

والآن صار لي الزمان مؤدباً

فغدا عليّ وراح بالأمثالِ

والآن أبصرت السّبيل إلى الهدى

وتفرغت همّمي عن الأشغال

ولقد أقام لي المشيب نعاته

يُفضي إليّ بمفرق وقذالِ

ولقد رأيت الموت يبرق سيفه

بيد المنيّة حيث كنت، حيالي

ولقد رأيت عُرا الحياة تخرّمت

ولقد تصدّى الوارثون لمالي

ولقد رأيت على الفناء أدلة

فيما تنكر من تصرف حالي

وإذا اعتبرت رأيت خطب حوادث

يجرين بالأرزاق والآجالِ

وإذا تناسبت الرّجال،

فما أرى نسباً يُقاس بصالح الأعمالِ

Responses